المقريزي

96

المقفى الكبير

وقد كان طلب منه ذلك قبل قتل ابن الزبير ، فقال : حتّى يجتمع الناس ! وكتب بعد قتل ابن الزبير إلى عبد الملك يطلب الأمان له ولمن معه فكتب إليه بذلك ، فأتي به الحجّاج وبايع لعبد الملك . وبعث لأسماء بنت أبي بكر أمّ عبد اللّه أن تأتيه ، وقد ذهب بصرها فأبت ، فأرسل إليها : لتجيئنّ أو لأبعثنّ إليك من يسحبك بقرونك ! فقالت : واللّه لا آتيك حتّى تبعث إليّ من يسحبني بقروني ! فأتى رسوله فأخبره ، فقال : يا غلام ناولني سبتيّتي . فناوله نعليه فقام حتّى أتاها ، فقال لها : كيف رأيت اللّه صنع بعدوّ اللّه ؟ قالت : رأيتك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك . وقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إنّ في ثقيف كذّابا ومبيرا ، فأمّا الكذّاب [ 321 ب ] فقد رأيناه « 1 » . وأمّا المبير فأنت ذاك « 2 » » ! . فخرج عنها وسار من مكّة إلى المدينة ، وقد استعمله عبد الملك على الحرمين مكّة والمدينة . فقدمها وأقام بها نحو الشهرين يسيء إلى أهلها ويستخفّ بهم ، ويقول لهم : أنتم قتلة أمير المؤمنين عثمان رضي اللّه عنه ! وختم على أيدي جماعة من الصحابة بالرصاص استخفافا بهم كما يفعل بأهل الذمّة ، منهم جابر بن عبد اللّه ، وأنس بن مالك ، وسهل بن سعد الساعدي رضي اللّه عنهم . ثمّ عاد إلى مكّة وقال : الحمد للّه الذي أخرجني من أمّ نتن ! أهلها أخبث أهل بلد ، وأغشّه لأمير المؤمنين وأحسدهم له على نعمة . واللّه لولا ما كان ما بيني [ وبينهم ] من كتب أمير المؤمنين فيهم ، لجعلتها مثل جوف الحمار ! إنّما هي أعواد يعوذون بها ورمّة قد بليت ! حتّى متى يقولون : منبر رسول اللّه ، وقبر رسول اللّه ؟ فبلغ قوله جابر بن عبد اللّه ، فقال : إنّ وراءه ما يسوءه . قال فرعون : أنا ربّكم الأعلى ، فأخذه اللّه بعد أن أمطره . وحجّ بالناس الحجّاج عامه ، وهو على مكّة والمدينة واليمن واليمامة . وقيل : إنّ المدينة لم تضف إليه إلّا في سنة أربع وسبعين لمّا عزل عبد الملك طارق بن عمر عنها ، وولّى الحجّاج عوضه ، فعمل بالصحابة رضي اللّه عنهم ما تقدّم ذكره وأقام بها شهرا يستخفّ بحرمتها . وخرج منها معتمرا حتى قدم مكّة ، فهدم بناء ابن الزبير الذي بناه في الكعبة وأعاد البناء الأوّل . فسدّ الباب الغربيّ ، وأخرج الحجر من البيت وردم بالحجارة في الكعبة ، حتى صار ما بها على ما هو عليه إلى اليوم . [ ولايته العراقين ] فلمّا كانت سنة خمس وسبعين ، مات بشر بن مروان ، فكتب إليه عبد الملك أن فد عليّ ، فوفد عليه فولّاه العراق . وقيل : إنّ عهد الحجّاج أتاه وهو بالمدينة ، وهذا أثبت . وأمره عبد الملك أن يبدأ بالكوفة ، فنزلها ولم يأت البصرة خوفا منه على خالد بن عبد اللّه ، فإنّ بشر بن مروان كان قد استخلفه عليها ، وكان بين الحجاج وبين خالد عداوة . وكان الحجّاج قد عبث بآل أسيد بمكّة ، وعبث خالد بثقيف بالبصرة . وكان الحجّاج يقول لمّا قدم الكوفة : غفر اللّه لأمير المؤمنين ! لو أذن لي فقدمت على خالد لأخذت منه مثل خراج العراق !

--> ( 1 ) مروج الذهب 3 / 318 : فهو المختار . ( 2 ) البصائر والذخائر 2 / 144 ( 490 ) .